السابع من سبتمبر من هذا العام يـوافق الذكري الرابعة علي خوض حزب الغد معركة إنتخابات الرئاسة .
أعوام أربع مرت ، تخللتها أفراح و أتراح ، إنتصارات و إنكسارات . تجربة ملحمية خاضها ( الغد ) بكل شرف و بسالة و تضحية ، تدعو للإعجاب و الإحترام ، من قِبل خصومه قبل مؤيديه .
( الغد ) حدث فارق في تاريخ مصر ، سيؤرخ بما قبله و بما بعده .
( الغد ) ليس مجرد حزب سياسي يسعي للوصول إلي السلطة .
( الغد ) ( حالة أصيلة ) خرجت من رّحِم الشارع ؛ إستجابة لحالة غضبه و إحتقانه و أشواقه لـ ( تغيير ) لأسلوب حٌكم و ممارسة سياسية رديئة كـَدَرت النفوس و جعل كرامة المصريين ، خارج مِصر أو داخلها ، في الوَحل .
( الغد ) حالة وطنية نقية صادقة ، مطالبها أتت ، لا أكثر و لا أقل ، مما يتمناه أبسط مواطن علي أرض مصر الطيبة ؛ تتلخص في أن يٌعامل بكرامة و إحترام .
( الغد ) يـٌراهن علي الغد بـ صـٌناع الحاضر و المستقبل ، كل من يملك رؤية طَموحة ، و إرادة حقيقية في رسم صورة أسعد لهذا الوطن عَبوس الوجه ، ثقيل القلب . يٌراهن بـ صفة خاصة علي الوقود الحي لكل أمة : الشباب .
؛ فإذا بالطاقات تتفجر ، و يَطلع من بين ضلوع جسد ، أٌعتقِد مَوته ، جيل شاب ، ملئ بالحيوية و الرغبة في صناعة التغيير القادم ، بأياديهم لا بأمانيهم ؛ فمنهم من دفع راضيا ً الضريبة من حريته في سجون مبارك و معتقلاته ؛ لم يٌزعزع ، هذا الإرهاب ، عقيدتهم، و خرجوا أكثر قوة و رغبة في التغيير عن ذي قبل .
فما السر في هذا ؟
السر، يَكمٌن في مِصداقية الغد ، و في إحساس الناس بها . الناس – في مصر – يمتلكون أصدق ترموميتر في العالم يعرفون عن طريقه الصالح من الطالح .
و السر ، أيضا ً ، في إيمان الغد العميق بـ قوة الشباب التي كانت مٌعطلة و مٌتهمة في وطنيتها و إرادتها .
و سر الأسرار ، هو أن الغد حزب أكتسب شرعية وجوده من الشارع منذ أيامه الأولي ، منذ أن كان حركة الغد ، و لهذا فهو يتحرك بروح الحركة و عقل الحزب . فحل جزء مقبول من إشكالية العزلة المفروضة – قَسرا ً أو أختيارا ً – بين النٌخبة و الجمهور .
و يحق لي ، بصفتي واحدا ً من شباب هذا الجيل ، الإدعاء أن الدور الأخطر للغد ، هو مساهمته في تفتح وعي جيل علي أهمية المشاركة في صٌنع سياسة الوطن ، و المطالبة جهارا ً ، و بصوت جـأش ، بالديموقراطية و الحرية ؛ و بهذين المطلبين يٌسهم في إعادة تشكيل الضمير المصري ، الذي أختٌرق و إنتٌهك لعصور و عقود غير قصيرة ، أسوأ إختراق و أشد إنتهاك .
و أحسبني مدينا ً ، كـ كثير من أبناء جيلي ، للغد في تفتح وعيي و تشكيل ضميري ؛ إذ كنت سَلبيا ً مٌنكفئا ً علي ذاتي ، رأيي في السياسة و المعارضة ، و رجالها ، إنهم ثرثارون نفعيون محبي ظهور و شهرة .
كانت إنتخابات الرئاسة 2005 ، هي البداية .
كنت أعمل ليلا ً في مكتب مٌحام ، و أنا طالب الآداب ، و سَمعت حوارات زملائي عن الإنتخابات و المعارضة ، حديث توقعات و تحليل ، و برز إسم ( أيمن نور ) عضو مجلس الشعب ، صاحب الأداء البرلماني القوي المٌحرج للنظام ، بَحسب قولهم . إشتركت في الحوار معهم و تسآلت : ( فكرتي عن الساسة سيئة ، هل ثمة سياسي مٌغاير ؟).
و في سِبتمبر 2005 ، كنت في ليبيا ، في زيارة لأقارب لي . و هناك لاحظت شيئا ً غريبا ً : ليس المصريون فقط يريدون التغيير ، بل كان الليبيون يصبون غضبهم علي مبارك ، و متعاطفون مع نور .
و إنتهت الإنتخابات ، و حدث ما يُسمي بـ الإنشقاق ، و تَسارعت خٌطي قضية التوكيلات المزورة .
لفترة تصل إلي ستة أشهر ،و أنا أتابع الموضوع بإهتمام شديد ، حَملت برنامج الحزب ؛ فأعجبني أغلب أفكاره ، درست القضية و تسآلت : " في بلد كَسول كـ مصر لماذا تنشط أجهزته الرقابية و الأمنية في أيام الجٌمع و الأجازات إلا إذا كان هناك منهم تَربص و كَيد ؟ " . و لماذا ، يزور أيمن نور ، توكيلات لـ والده و والدته و زوجته مع أن البديهي أن الذي يقوم بالتزوير إنما يقوم بهذا بٌمخالفة إرادة الشخص الذي زور عنه ؟! .
و خلال هذه الـ ستة أشهر كنت أجري إتصالات عن بٌعد بأعضاء في الغد ، سواء في القاهرة أو الإسكندرية ، و كان اول لقاء فعلي بهم يوم الحُكم علي أيمن نور بالسجن 5 أعوام مشددة .
كان اليوم دراميا ً ، رأيت أُناسا ً صادقين ، لا أنسي دموعهم و لا نظرات الحزن الباثقة من قلوبهم .
لم ، و لن أنس َ ، موقف السيدة / جميلة إسماعيل ، عقب الحكم ، و هي تَستجمع قِواها ، و تعتلي سَقف سيارة ، و تخطٌب في الناس بقوة و حرارة و ثبات .
و لم ، و لن أنسي ، ما خَصتني الأقدار به ، من رؤيتها و هي تٌداري نفسها عقب خُطبتها القوية ، و هي تنزوي مٌسرعة خلف أحد السيارات ، تٌجفف أنهار دموعها .
و لم ، و لن أنس ، أصواتنا التي بٌحت ، و التي أحتبست ، عقب الحٌكم الظالم الصادم .
و لم ، و لن أنس ، مشهد تقطيع زميل لـ كارنيه نقابة المحاماة ، يأسا ً من العدل الذي غُيب يومها .
و لم ، و لن أنس ، زميلنا اللاهث ، بقميصه الملئ عرقا ً ، و عيونه المصبوغة بالإحمرار ، و المليئة دهشة و حٌزنا ً.
و لم ، و لن أنس ، دموع رجل صادقة ، لم يتمالك مشاعره .
من هؤلاء الناس ؟ و لماذا يفعلوا ما يفعلون ، و يضحون بكل هذه التضحيات من حريتهم و وقتهم ، و رغم هذا يثبتون علي مبادئهم ، و لا يتهاونون فيها .
ما الذي يجعل زوجة حُكم علي زوجها بالسجن خمس سنوات أن تخطب بـ ثبات ، في الوقت الذي يتمزق قلبها من داخلها ، و ما الذي يجعل كل من هؤلاء يتركون أعمالهم و مصالحهم و يتعرضون للسٌباب و الإهانات و الإعتقالات من أقزام النظام .
إنه لا شئ غير الحب الصادق البرئ للوطن . لا شئ غير إن كل واحد ٍ منهم عنده قضية إرتفعت إلي مستوي العقيدة .
إن وعيي تفتح علي أيدي هؤلاء البسطاء العظام بأن للإنسان قيمة أكبر مما كنت أتخيل ، قيمته في الدفاع عن ضميره ، عن حقه في الحرية و الديموقراطية .
إنني أعتبر نفسي محظوظا ً إني أعيش في هذا الزمن الذي شهد ظهور الغد ، الحزب و الحالة الوطنية الصادقة و الأشخاص المحترمين .
و لم أكن أتملق أو أنافق أو أجامل حين قلت يوم تسلمي جائزة في مسابقة كتابة : " إن ظهور حزب الغد في الحياة السياسية المصرية حدث مهم و نقطة تحول سنجني في المستقبل ثمارها : دولة حرة و شعب حر " .
محمد مجدي
الإسكندرية في 17/9/2009